الفارق بين يامال وفينيسيوس في التعامل مع العنصرية بالملعب؟

Gemini_Generated_Image_9ejni49ejni49ejn-780x470
"
"
لامين يامال، في كتابه الشهير فن اللامبالاة، يطرح مارك مانسون فكرة تبدو للوهلة الأولى صادمة، لكنها تحمل في جوهرها حكمة عميقة: طاقتنا النفسية محدودة، ولا يمكننا أن نهدرها في كل معركة أو رأي أو استفزاز، هذه الرؤية لا تدعو إلى السلبية بقدر ما تدعو إلى الانتقاء الواعي؛ أن تختار ما يستحق أن تقاتل من أجله، وما يستحق أن تتركه يمر دون أن يترك فيك أثراً، فالقوة الحقيقية، كما يراها، ليست في كثرة ردود الأفعال، بل في القدرة على التحكم بها، وفي معرفة متى يكون التجاهل أبلغ من ألف رد.
اضافة اعلان

هذه الفلسفة، التي تبدو نظرية في صفحات كتاب، تجد انعكاسها الحي اليوم على ملاعب كرة القدم الأوروبية، حيث لم تعد اللعبة مجرد تنافس رياضي، بل ساحة تتقاطع فيها التوترات الاجتماعية، وعلى رأسها العنصرية، هناك، يصبح اللاعبون أكثر من مجرد رياضيين؛ يتحولون إلى رموز، تُختبر فيها قدرتهم على الصمود النفسي أمام هجمات لا تتعلق بأدائهم، بل بهويتهم، في هذا السياق، يتجسد الصراع بين الرد والتجاهل بشكل درامي، حيث كل تصرف—سواء بالصمت أو المواجهة—يحمل دلالات أعمق من مجرد لحظة في مباراة.


في أحد طرفي هذا المشهد، يبرز لامين يامال كنموذج للاعب الذي اختار أن يطبق فلسفة “اللامبالاة” عملياً، رغم صغر سنه والضغوط الهائلة المحيطة به، يتعامل مع الاستفزازات بهدوء لافت، مركزاً طاقته بالكامل على أدائه داخل الملعب، صمته ليس ضعفاً، بل هو شكل من أشكال السيطرة؛ إذ يرفض أن يمنح المسيئين القوة التي يسعون إليها عبر ردود فعله، هو، بطريقة ما، يجسد فكرة أن النجاح والاستمرارية هما أبلغ رد، وأن تجاهل الضجيج قد يكون أحياناً السلاح الأكثر فاعلية.

وعلى الطرف الآخر، يقف فينيسيوس جونيور، الذي اختار مساراً مختلفاً تماماً، مسار المواجهة الصريحة، بالنسبة له، الصمت ليس خياراً، لأنه قد يُفهم كقبول ضمني بالإساءة، لذلك، نراه يرفع صوته، يحتج، ويطالب بالتغيير، حتى لو كلفه ذلك توتراً مستمراً وضغطاً نفسياً كبيراً، هو لا يدافع عن نفسه فقط، بل يمثل شريحة واسعة من اللاعبين والجماهير الذين يرون في صمته خسارة أكبر من أي عقوبة، وهكذا، بين صمت يامال وصخب فينيسيوس، تتجلى معضلة إنسانية عميقة: هل الأفضل أن تحمي نفسك بالتجاهل، أم أن تخوض المعركة دفاعاً عن كرامتك، مهما كان الثمن؟


لامين يامال.. الصمت الذي يزلزل المدرجات
في مباراة ودية جمعت بين إسبانيا ومصر، كان من المفترض أن تكون الاحتفالية هي العنوان، لكن ما حدث في مدرجات ملعب “آر سي دي إي” كان فصلاً تراجيدياً جديداً، هتافات عنصرية انطلقت كالسموم، استهدفت في البداية لاعبي المنتخب المصري، لكن شظاياها أصابت قلب الموهبة الصاعدة، لامين يامال.

يامال، هذا الشاب الذي يحمل على كتفيه آمال لاروخا وهو لم يتجاوز السابعة عشرة، وجد نفسه في موقف مصيري، هو مسلم، يمارس شعائره بوضوح، وينتمي بجذوره إلى عمق المعاناة التي يسخر منها هؤلاء المشجعون، رصدت الكاميرات وجهه؛ لم يكن غاضباً بالمعنى التقليدي، بل كان “عابساً” بذهول. كان ينظر إلى المدرجات وكأنه يتساءل: هل أنا حقاً أنتمي إلى هنا؟